المقريزي
158
المقفى الكبير
ويجاريهم في عدّة فنون من فقه وغيره . وكان حنفيّ المذهب ، وله اختصاص بالشيخ تقيّ الدين السّبكيّ ، وهو الذي نوّه به . وشغف بالكتب فاقتنى منها شيئا كثيرا . وكان يؤنّث المذكّر في خطّه ويعظّم وظيفته ويتبجّح بها . ولم يزل مشهورا من صغره إلى وفاته بالخير وحسن الطريقة . وأنشأ دارا بالشارع خارج باب زويلة بلغت النفقة على بوّابتها خاصّة مائة ألف درهم ، عرفت بعده بالقردميّة ، ثم عرفت ببيت محمود فلمّا كادت الدار أن تفرغ عمارتها عمل فيها الجاي مجتمعا تليت فيه ختمة شريفة بالغ في الاحتفال فيه ، وحضره عامّة أهل العلم فلم يمتّع بهذه الدار ومرض بعد ذلك بقليل ، فطلب من السلطان الإذن في نزوله إلى داره ، فأذن له في ذلك . فقيل له فيه ، فقال : أنا أدرى بخلق أستاذي ، قد يكون في خاطره أن يولّي الدواداريّة أحدا غيري . ونزل إليها ، فلم يزل صاحب فراش حتى مات واستقرّ عوضه الأمير صلاح الدين يوسف المهمندار دوادار [ ا ] . 831 - الجيبغا المظفّريّ [ - 750 ] « 1 » [ 203 أ ] الجيبغا المظفّريّ ، الأمير سيف الدين . رقّاه السلطان الملك المظفّر حاجيّ بن محمد بن قلاوون بحيث لم يكن عنده أحد في رتبته حتى زالت دولته ، والجيبغا أحد أمراء المشور الذين تصدر الأوامر عنهم . فأخرج إلى دمشق في أوائل سلطنة الناصر حسن على إقطاع الأمير لاجين أمير أخور صحبة الأمير طقبغا وطلب لاجين [ إلى مصر ] في تاسع عشر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة ، واتّهم أنّه أراد الفتنة . ثم نقل من الإمرة بدمشق إلى نيابة طرابلس [ 219 ب ] عوضا عن الأمير بدر الدين أمير مسعود بن خطير في أثناء شعبان منها . فلم يزل إلى أوائل شهر ربيع الأول سنة خمسين ، [ ف ] استأذن الأمير أرغون شاه نائب الشام في التصيّد بالناعم فأذن له ، فسار وأقام على بحيرة حمص أيّاما يتظاهر بالصيد . ثم ركب ليلا بمن معه من عسكر طرابلس وساق إلى خان لاجين ظاهر دمشق وأقام به من الثانية من النهار إلى قبيل الغروب . وركب بمن معه وطرق أرغون شاه نائب الشام ، وهو بالقصر الأبلق من الميدان ليلا ، وأمسكه وسجنه مقيّدا ، وقد عاونه على ذلك الأمير فخر الدين أياز السلحدار . فلمّا أصبح نزل بالميدان الأخضر وطلب أمراء دمشق وعسكرها ، وأخرج كتاب السلطان بإمساك أرغون شاه ، فلم يشكّ أحد في ذلك . واحتاط بأموال أرغون شاه وجعلها عنده في القصر الأبلق ، وذلك في يوم الخميس ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل ، وأظهر في يوم الجمعة ثانية بأنّ أرغون شاه قد ذبح نفسه « 2 » وجهّز البريد وكتب على يد الأمير أيدمر الشمسيّ إلى السلطان بأنّه أمسك أرغون شاه وأنّه ذبح نفسه « 3 » . فلمّا كان يوم الثلاثاء ارتاب الأمراء بدمشق بما هو فيه ، فركبوا لحربه ووقفوا تحت القلعة . فركب بمن معه وواقعهم وقتل منهم عدّة وجرح جماعة ،
--> ( 1 ) الوافي 9 / 355 ( 4286 ) ، وأعيان العصر 1 / 594 ( 324 ) ، الدرر 1047 ، المنهل 3 / 44 ( 528 ) ، السلوك 2 / 813 ، النجوم 10 / 245 . ( 2 ) السلوك 2 / 801 . ( 3 ) ذبح روحه في أعيان العصر ، وهو تعبير عامّيّ ، وثانيه : أي اليوم الموالي ليوم القبض على أرغون شاه .